محمد حسين علي الصغير

124

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

ضوئه ، والإسناد يعرف بطرفيه ، وهذان الطرفان في المجاز العقلي في القرآن لهما صيغ مختلفة تحدد بما يأتي : أ - الطرفان حقيقيان : ولا علاقة لهما بالمجاز منفردين إلا بضم بعضهما إلى البعض الآخر كقوله تعالى : وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ( 2 ) « 1 » . فإن الإخراج حقيقي ، والأرض حقيقة ، ولا مجاز بهما وحدهما ، ولكن المجاز العقلي مستنبط من اقترانهما ، وبإسناد الإخراج إلى الأرض ، لأن المخرج حقيقة هو اللّه تعالى ، وليس للأرض قابلية الإخراج ، فلا إرادة لها ، وفاقد الشيء لا يعطيه ، فلما أسند لها الإخراج علمنا ضرورة بمجازية الاستعمال إسنادا بحكم العقل . ب - الطرفان مجازيان : نحو قوله تعالى : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ . . . « 2 » . فالربح هنا مجازي ، ولا يراد به الزيادة على رأس المال في بيع البضائع ، والتجارة هنا مجازية ، فلا يراد بها المعاملات السوقية ، وإنما المراد بالربح تحقيق المعنى المجازي منه بالفائدة وعدم خسران الأعمار ، والمراد بالتجارة المعنى المجازي منها بالإنابة وصالح الأعمل . ونظير هذا المجاز العقلي في طرفيه المجازيين كثير في القرآن الكريم ، ومن أبرز مظاهره في مثالين بآية واحدة قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 ) « 2 » . فالشراء هنا مجازي ، ولا يراد به إجراء العقد في إنجاز صفقات البيع ، والضلالة وإن كانت حقيقة ، إلا أنها ليس مما يشترى بالهدى ، ولا مما يباع به ، وكلا الإسنادين مجازي ، وبقية الآية تقدم فيها الكلام . وكذلك قوله تعالى : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ . . . « 4 » . ج - الطرفان مختلفان كقوله تعالى : تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ « 5 » .

--> ( 1 ) الزلزلة : 2 . ( 2 ) البقرة : 16 . ( 4 ) البقرة : 90 . ( 5 ) إبراهيم : 25 .